رغم الفراق

تطبع هذه الرواية خصوصية القضايا التي تعالجها واللغة الحساسة الشفيفة التي تكنز الكثير من المعاني في أقل المفردات عددًا. كما تحفل الرواية بالعديد من الثنائيات التي تحكم حياتنا وكأنها قدرنا الذي لا فكاك منه، فبجانب ثنائية العقل والمشاعر، هناك ثنائية الحنان والقسوة، البناء والهدم.

ذكريات محرمة

“يا قصصًا صغيرة عابرة تتحول إلى روايات لا نعرف كيف ننهيها!! يا عابري سبيل يتحولون إلى أبطال وسكان لا نعرف كيف أو متى سكنوا!! يا حياة نظنها بغرور صبانا أسهل من طرفة عين وحين ندرك أنها أبعد وأعقد نكون قد حزمنا حقائبنا استعدادًا للرحيل!!”

ونسيت أنى امرأة

من غير المنطقي، أن تكون المرأة دوما الطرف الأضعف، وتظهر وكأنها لا ترتكب أخطاءا، ففي روايته “ونسيت أني امرأة” جسد إحسان عبد القدوس شخصية المرأة التي تهتم بنفسها وتعظم حالها ولا تعترف بأي أخطاء لها، ولكنها تجد أنها تخسر من حولها في الوقت نفسه، جسدت ماجدة هذه الشخصية في فيلم تم إنتاجه عام 1994، وشاركها بطولته فؤاد المهندس وغادة نافع وسمير صبري، وأخرجه عاطف سالم.

تذكرة وحيدة للقاهرة

اَسف لم أعد أستطيع

“آسف لم أعد أستطيع”، وهي من المجموعات القصصية التي كتبت في أوائل الستينيات، وتقع في 185 صفحة، وبدأها إحسان عبد القدوس برسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، موضحًا فيها الرقابة التي تتعرض لها الصحف، وكان إحسان عبد القدوس وقتها رئيس مؤسسة روز اليوسف، وهي الرسالة التي تكشف عن جرأة إحسان المتناهية حين يقول موضحًا أسباب كتابته لهذه الرسالة: كانت التهمة هي: الجنس والإلحاد.. كانت الصحافة أيامها لم تؤمم بعد، وكانت الرقابة المفروضة عليها ثقيلة عنيفة، وكنت أنا صاحب روز اليوسف، وحتى أهرب بنفسي وبروز اليوسف من ثقل الرقابة “كمشت” صفحاتها السياسية، وفتحت صفحات أوسع للمواد الاجتماعية والأدبية، وهو نفس السبب الذي جعلني أيامها أطالب بتأميم الصحافة لأن الرقابة كانت قد وصلت إلى حد أن أصبحت الصحف أقرب فعلًا إلى ملكية الدولة.
والمتأمل لرسالة إحسان عبد القدوس التي بدأ بهامجموعته القصصية “آسف لم أعد أستطيع” يكتشف راهنية القضايا التي تناقشها، لاسيما على صعيد الاتهام بالإلحاد، لكل مخالف في الرأي، وحينما دافع إحسان عن نفسه رادًا هذه التهمة، كشف عن الجانب الرجعي في الدين الذي يتمثل في رجال الدين يقول إحسان:
“إنني مؤمن بالله يا سيّدي الرئيس.. لست ملحدًا، ولعلك لا تعرف أنني أصلي، ولا أصلي تظاهرًا ولا نفاقًا، فإن جميع مظاهر حياتي لا تدل على أنني أصلّي، ولكني أصلّي لأني أشعر بارتياح نفسي عندما أصلي، ورغم ذلك فإني أعتقد أن ديننا قد طغت عليه كثير من الخزعبلات والأتربة، والتفسيرات السخيفة؛ التي يقصد بها بعض رجال الدين إبقاء الناس في ظلام عقلي، حتى يسهل عليهم – أي رجال الدين – استغلال الناس والسيطرة عليهم”.
“آسف لم أعد أستطيع” المجموعة التي بدأت بخطاب إلى الرئيس عبد الناصر، تشكو رجال الدين انتهت بقصة “شباك كلها ثقوب” عن حكاية اليهودي الذي يلعب بشبكة الأديان، ويصطاد بها المسلمين والبوذيين، ولو احتاج لاصطاد بها المسيحيين.. إنها شبكة عريضة تسع العالم.. وكلها ثقوب. وإحسان نفسه يصف هذه القصة بأنها ليست قصته.. “إنه حادث كان يمكن أن أرويه كخبر صحفي، ولكن لغرابته فضَّلت ألَّا أرويه كنص ما سمعته، بل أرويه كما أتصوّره.. وهكذا أنا دائمًا، لا أستطيع أن أهرب من خيالي، ويضيع الصحفي منِّي في داخل الأديب”.
تحتوي مجموعة “آسف لم أعد أستطيع” على ثماني قصص طويلة هي: هل قرأ عبد الناصر هذه الرسالة، والراقصة والطبّال التي تحوَّلت فيما بعد إلى فيلم سينمائي شهير بالعنوان نفسه قام ببطولته الفنان الراحل أحمد زكي، والفنانة نبيلة عبيد، والراحل عادل أدهم، ثم قصة “قبل الوصول إلى سن الانتحار”، و”آسف لم أعد أستطيع”، وكان يعيش مع لسانه، والزجاجات الفارغة، وقبل أن تخرج الحقيبة من الباب، وأخيرًا: شباك كلها ثقوب.

النبي

النبي أشهر كتب جبران كتبه بالإنجليزية وترجم إلى أكثر من خمسين لغة، وهو يعتبر بحق رائعة جبران العالمية، مضمونه اجتماعي، مثالي وتأملي فلسفي، وهو يحوي خلاصة الآراء الجبرانية في الحب والزواج والأولاد والبيوت والثياب والبيع والشراء والحرية والقانون والرحمة والعقاب والدين والأخلاق والحياة والموت واللذة والجمال والكرم والشرائع وغيرها، وقد وردت على لسان نبي سمي “المصطفى” ورسالة النبي رسالة المتصوف المؤمن بوحدة الوجود، وبأن الروح تتعطش للعودة إلى مصدرها، وبأن الحب جوهر الحياة. وفي كتاب النبي يعبر جبران عن آرائه في الحياة عن طريق معالجته للعلاقات الإنسانية التي تربط الإنسان بالإنسان.

شيء في صدري

ومن الصعب أن تحترم نفسك…” إحسان عبد القدوس
هكذا يبدأ الكاتب إحسان عبد القدوس هذه الرواية المتميزة، فهي قصة الرأسمالي الجشع الذي همه المال والسلطة والجاه والسيطرة، لكم هل هو سعيد؟
دائما ما كان إحسان عبد القدوس يكره كتابة مقدمات لكتب إلا أنه قرر كتابة مقدمة لهذه الرواية بالذات لكي يتحدث عنها وما ألهمه لكتابتها فيقول في وصف روايته بعد بضعة معلومات عن النظام الرأسمالي:-
“وكذلك الرجل الذي يحتكر الآخرين ويستغلهم…انه مهما جمع من أموال، ومهما متع نفسه بمظاهر الحياة، يبقى تعيساً شقياً، لأن الآخرين الذين يستغلهم يعيشون داخل نفسه…يعيشون في صدره…وهو يحس بعذابهم، ويحس بصراخهم، ويحس باعتداءه على حقوقهم… وقد يستطيع بذكائه وأمواله أن ينتصر على من حوله من الناس .. أن يخدعهم ، ويشتري سكوتهم ومظاهر احترامهم، لكنه لا يستطيع مهما بلغ ذكاؤه أو تضخمت أمواله أن يخدع هؤلاء الذين يعيشون داخله، ولا يستطيع أن يشتري سكوتهم واحترامهم .. إن قطعة من المجتمع تعيش في صدره وتعذبه”.
تعتبر هذه الرواية من روايات إحسان الطويلة حيث تبدأ القصة في ثلاثينيات القرن الماضي في عهد الملك فاروق وحتى ثورة عام 23 يوليو التي أسقطت النظام الملكي في مصر، ويروي فيها حسين باشا قصة حياته بكل الجرائم التي قام بها من اختلاس وسرقة وكذب وتدليس وقذارات مجتمع ارستقراطي كامل مبني على المنفعة المشتركة.

سيدة في خدمتك

“سيدة في خدمتك” رغم أن إحسان أطلق عليها مجموعة قصصية، فإنها تعد من ناحية أخرى، صورة من روح الكاتب ومشاعره أثناء زياراته الخارجية، فالقصص العشر الطويلة التي تحتويها المجموعة، بدأت بقصة من لبنان وانتهت بانجلترا حيث قصة “فتحية في لندن” مرورًا بكوبا، والمغرب والسويد وأسبانيا والسنغال، ثم كوبا مرة أخرى، وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا، هي قصص تصوِّر نواحي متعددة من الحياة في صدق وجرأة، حيث تصوّر كل قصة بلدًا من البلاد التي زارها إحسان عبد القدوس سواء عربية أم أجنبية أم أفريقية، وفيها يرسم عبر شخصية محدّدة طبيعة البلد وأجواءه ومناخاته وعلاقاته الاجتماعية، بلغة أقرب إلى ريشة الرسام، وبعضها يعتبر بورتريها صادقًا للبلد المحدّد.

أنا حرة

وأخيرًا تأتي درة إحسان عبد القدوس، رواية “أنا حرة” والتي لقيت دويًّا واسعًا وقت نشرها، وقد نشرت، أربع مرات في أقل من خمس سنوات في روز اليوسف، والكتاب الذهبي ومكتبة المعارف، حتى أن النقاد اعتبروها التطبيق العملي لأفكار قاسم أمين عن الحرية، وحرية المرأة بشكل خاص، ويبدأها إحسان عبد القدوس قائلًا: “ليس هناك شيء يسمى الحرية، وأكثرنا حرية هو عبد للمبادئ التي يؤمن بها وللغرض الذي يسعى إليه، إننا نطالب بالحرية لنضعها في خدمة أغراضنا، وقبل أن تطالب بحريتك أسأل نفسك: لأي غرض ستهبها؟

“أنا حرة” يتناول فيها إحسان عبد القدوس قضية التمرد على المجتمع بأعرافه وتقاليده التي عفى عليها الزمن وبطلة الرواية فتاة بسيطة تحاول ممارسة بعض الأمور العادية جدًا ولكن يقابل ذلك القمع من جهة أهلها بصورة مبالغ فيها إلى أن تقرر البطلة التمرد على هذه الأوضاع والتمرد على سطوة أهلها عليها والانطلاق في مسيرة حياتها، كل هذه الأحداث يصوغها إحسان عبد القدوس بأسلوبه اللغوي الساحر الذي سيجبرك على قراءة الرواية أكثر من مرة

وقد قدّم إحسان عبد القدوس لهذه الرواية بقوله:

“إني لا أطمع أن يقتنع كل قارئ بهذه القصص أو يقر نشرها كل ما أريده أن يحاول كل قارئ أن يفهمها وألا يعلق عينيه بسطر أو سطرين ثم يتجاهل باقي السطور. أريد أن تصلوا معي إلى الفكرة وإلى الحقيقة التي يرسمها أبطال هذه القصص. ولكم بعد ذلك أن تقتنعوا أو لا تقتنعوا. ولكن لا تحكموا قبل أن تفهموا حتى لا تظلموني

وقد جلبت لي هذه القصص من المتاعب قدر ما جلبته لي كتاباتي في المواضيع السياسية والوطنية!! وأثارت حولي من الجدل والمناقشة والتهم قدر ما أثارته قضية الأسلحة الفاسدة مثلًا وكان يمكنني أن أتجنب كل هذه المتاعب وكل هذا الجدل لو أني رفعت بضعة سطور من كل قصة. ولو أني عدلت مثلًا تعديلًا طفيفًا في نهاية قصة “أنا حرة”!! وصممت على أن تبقى “أنا حرة” حرة في اختيار نهايتها

إني لا أستطيع أن أشوه الحقيقة

لاَخر العمر

بَينمـَـا تَعـصِـفُ الأقـدَارُ بِنـا وَغـَدرُ الـدُنيـا يَهزِمُنَـا..
ونـَفقـِدُ الدَليلَ وَنَحـنُ عَلىَ دُرُوبٍ بـِلَا عُنـوَان..
يـَأتينَـا الحـُــب فَـارِسَـاً..
قـاهِــرَاً لـِضَعفِـنَـا .. ومُنجـِـدَاً لـِمَصِيرِنـَا..
فَنعبـرُ حَواجِـزَ الماضـي ونَمضي عَبـرَ بـَوابـَـةِ النِسيـَـان..
ونـواجِـهُ مَخَـاوفَنـا ونَهـزمُ أوجَـاعَنَـا..
فَنُطَـهِّــرُ بـِأنـفُسِنَـا الخَـطَايـَـا .. ونـَرفـَعُ لِبـَعـضِنَـا رَايـَة الغُـفــرَان..
وعِندَمَـا يـَأتينَا حـُـبُ الـعُمــرِ..
لِـيَصعـَـدَ بالـرُوحِ مِـن هَـاوِيـةِ الحِـرمَـان..
عِندَئـِذٍ يَحِــقُّ عَلىَ القَـلــبِ..
أن يُـصَـارِعَ هَــذِهِ الحَيَــاة حِفَـاظـاً عَلىَ الـعَـهــد..
وَأن يَستَميـتَ في الحـَـرب..
مِن أجـلِ بَـقَـــاءِ وَخُـلـودِ هَـذَا الحُــب..
لِآخِــر العُـمــــر