Archives
يجعل الله لك مخرجاً بقلم أحمد الصابوني … الإنسانُ، بسبب كلمةٍ واحدة يمكن أن يُصدِّق أن الحياة كلها جميلة، وبسبب لقاء ممتع مع شيخ يصحبه، قد ينسى كمَّ المشكلات العالق بها، وبسبب كلمة تشجيع واحدة قد تجعله يتحامل على نفسه حتى لو غلبه اليأس، وبسبب نصيحة صادِقة من الممكن أن تتغير حياته بأكملها. لا تفكِّر يا فتى أننا لا نحتاج إلى الناس، لا لا.. أحد أهم حاجاتِنا حاجتُنا إلى بعضنا، فكلنا يمرُّ بفتراتٍ صعبة وكلنا يُحب أن يؤخذَ بيدِه حينما يتعثر في لحظةٍ ما مِن الزمن.. كُلُّنا يا فتى
كأنها صرخات الأطفال الأولى ساعة الميلاد تستعيدني وتشد عزمي بعد هَدَّة الرقاد؛ لأقوم وقد تخلصتُ من كل وجع، تغازلني وأنا مكوية بلسعة الفَقْد، منكمشة على نفسي أو محنية لعاصفة الفراق، فأراني واقفة أُطِلُّ في البعيد قبل أن أدخل في زحمة الأحياء، أقول لنفسي وأنا راجعة وسطهم أن النار الحارقة تبردها دورة الأيام، تختلط في قلبي وأنا أسرح بفكري مشاعرُ الفرح الشحيح والأحزان فلا أميزها، ويتبدَّى لي أنه زمان واحد؛ ذلك الذي فات وما هو حاصل وما سوف يجيء، تتشكل الخيالات شخوصًا أناجيها وتجاوبني دون صوت مسموع
لم تكن واحدة من المصادفات التي رأيتها في ميدان التحرير أيام الضراوة الوافدة من تحت الأرض، تمتطي الجِمال والخَيل والبِغال، وتتصدَّى لشعب أعزل خرج يطالب بحقوق انتزعوها منه عبر سنوات طالت وطالت، ميدان التحرير بؤرة توحي بالكثير، وقد حاولتُ أن أعبِّر عن عُنفوان المدينة في ميدان التحرير الذي تأملتُه كثيرًا قبل كتابة مجموعة قصص تحت عنوان «النبش في الدماغ» في أواخر الستينيات، كان ميدان التحرير خلال السنوات الفائتة جسرًا وبؤرةً وقدرةً على لملمة الكل لرفض الانكسار وإعلان الإصرار على مواصلة المشوار، وأحيانًا يتجمَّعون لوداع مَنْ يستحق من شعبنا دموعَ الوداع، لعل ما جرَى بميدان التحرير، أو بميادين التحرير التي ظهرت في المدن الكبيرة والصغيرة وحتى بعض القرَى، ميادين تحرير لم تخطر على الخيال لكنها كانت تتزايد بعناد وشرف، لعلها لم تكن أكثر من عبارة قالها رجل مصري في خمسينات أو ستينات العمر، أصابته ضربة أو ضربات عشوائية فسقط أمام المتحف المصري، وحاول الشباب مساعدته للنهوض والإنقاذ، لكنه رفض بعناد وتشبث بالأرض، وبملابسه المتواضعة يتمدد وبكفيه يتحسس ترابها ويمنحه للبدن والرأس والوجه وكل الأطراف المتاحة، وصرختُه تهز الميدان وترجف القلوب العابرة، تدفع الشباب ليواصلوا مشوارهم، بينما الرجل ينادي تراب الأرض:ترابك يا مصر، ترابك يا مصر.
وعبارته تتردد بإصرار، ويتباعد صوته ويواصل نداءه لمصرنا ليشهد الدنيا بأنها جديرة بكل عطاء، بترابها ونيلها وشبابها وشرف ثورتها.
هل كان من الممكن أن نخذله ونتنازل عن دعوته لنا بأن نحترم ونعشق تراب الأرض؟
“انت غفوات الصحو والتأمل الغويط تقودني إلى سراديب الرؤى الغامضة، أسأل نفسي إن كانت لحظات الخروج من بطنها على هذا النحو فعلا أو أنها محض رسوم اقتحمت الذاكرة على مهل؟ لعلها لم تكن منبتة الصلة بما جرى بالفعل، ولعلها تكونت في اللاوعي مسنودة على خبرات قديمة قدم الحياة نفسها، لكنني في كل الحالات كنت أراني منفلتا على غير ما كانوا يتوقعون، وبحسب ما كانت تحكي لي ولكل الحاضرين من الأهل والأقارب بعد أن كبرت وصرت بحسابات الكبار رجلا، تحكي مزهوة بنفسها أنها أفلتتني بكل اليسر رغم أنني انولدت قبل الموعد المحسوب بأكثر من شهرين، كنت أشاركها الحديث الجالب للضحكات أحيانا لكل من يسمعه قائلا أنني استشعرت خروجي من داخلها مندفعا الي أرضية القاعة الجوّانية الرطبة وكيف اختلط السائل اللزج ودم «خلاصي» بالرماد الناعم قبل نزول «الخلاص» نفسه، أقول أنني تشممت رائحة الرماد واستشعرته ساكنًا فوق مقدمة الرأس وأجزاء من البدن العريان فيضحكون، أسرح بخيالي قائلا لهم بينما أتأمل ملامحها أو أبوح لها بيني وبينها: إنه من المحتمل جدا أن أكون قد أحسست بأصابع «أم يوسف» وهي تلتقطني وتربط حبلي السري من فوق بطني بخيط متين قبل أن تفصله عن «الخلاص»
“سأحاول أن أحكي لكم حكايات لناس عاشوا كأطياف في البراح الممدود وتعايشوا قبل أن يتأنسن الواحد منهم فيرى الأرض المزروعة منذ آلاف السنين بعزيمة فلاح كان يتفاصح ويتشكى ويبوح في حضرة الفرعون العارف بأنه تأنسن وصار حقيقة تتنفس مثله، تطلب منه عدلا ممكنا وإن بدا مستحيلا لتأكيد هوية مشتركة بين محكوم وحاكم، لأنني كنت مشروعا لروح لم تتجسد قبل مولدها، وتحوم حول المكان لتتعرف على ناس الزمان أو تفاصيل الأشياء كطيف لروح تمنت أن تتجسد لتشارككم الحياة والأنفاس في مستقبل مأمول أيامها، راضية بلا شك في إمكانياتها للعطاء والإضافة، والعشق والخلفة، وتربية صغار ممن يأتون لنا يوما ليرثوا أرضًا ووطنًا ووعيًا كامنًا وقابلًا لتأكيد ما هية الوفاء والصدق، ومواصلة البناء لمن يأتون بعدهم ليضيفوا ما هو ممكنًا أن ينضاف ليبقى دليلًا على أنسنة الأطياف
“سأعاود البوح عن رعاية الأب في مراحل العمر الأولى لأكمل ما بدأته عندما بحت لكم بما قدمه لي من وصاياه لأن البدايات تحمل داخل الداخل منها مقدمات نهاياتها المؤكدة، فالدنيا بحساباته كانت وستبقى دوارة، فكم طلعها ناس كانوا يسكنون تحت الأرض أو «بواطيها» وتبدلت أحوالهم بقدرة القادر «ليصبح واطيها عاليها» كما شاعت العبارة لتبرير الطلوع الصعب بالقسمة والنصيب وقدرة القادر أو حتى البخت والمكتوب، ليكف الناس عن اندهاشهم وبذل المساعي المتواصلة لمعرفة أسباب الطلوع غير المبرر لمن طلعوا من قاع القاع لقيادة تجار الخردة أو الزبّالين والكنّاسين مثلا بدون حقوق واضحة، ولأن البخت والنصيب وحده قادر على تبديل الأحوال، فلا داعي للسعي لمعرفة الأسباب، لأن السعي لا يستحق اعتراضاتنا على أدوات السلب والنهب المخفية وقد ظهرت وبانت وأعلنوا وجودها على غير توقع، فإن التفكير في الحسد لن يفيدنا ويساعدنا لنتعرف على أسباب المتغيرات الحقيقية ما لم نعترف بوجود النصيب الغلاب لنا، وبالقسمة والمكتوب أو قدرة القادر طمعا في غفرانه، على هذا النحو كان يحدثني أحيانا فأتفكر وأهز دماغي متظاهرا بأنني أوافقه، بينما في داخلي سؤال عن مغزى هذه الحياة وأسباب وجودنا أو رحيلنا عن الدنيا بلا مقدمات وفي لحظات حرجة، تمامًا مثلما جرى لي عندما فقدت أمي وهي تلدني وتمنحني عمرها ساعة الرحيل الصعب وأنا مولودها، واليتم جحيم يتجسد ماردا أو مجموعة مردة تسعى لعذاب أمثالنا على سطح الأرض ولا تكف أو تشبع
الزمان الهابط والزمان الصاعد، أو قل الزمان المتتابع والزمان المتراجع، عندما يلتقيان في بؤرة، ربما حول موقف أو ذكرى أو شخص.. دوامات يصعب الإمساك الأكيد بمسارها المرعوش برغبة الامتزاج.. البدايات والنهايات في لحظة الانهزام، رنين الأنات وصدى الصوت الحي متشابكان مع الشحوب الخافت لأنفاسٍ ذَوّبها الفراغ لكنها ما زالت في الأذهان تحيا، وكأنها تتبادل مع الزمن الدوار غير الثابت رغبة البقاء المستحيل، كان العبء فوق الطاقة، مغامرة تتطلب الجسارة، والرغبة -إن كان للرغبة وزن – في الاستمرار.. هبوطا وصعودا يتقابلان في الزمان الفائت. والأرض.. الحرب.. الموت.. بُؤَر امتزاج
