فوكو مقدمة قصيرة جدا

جارى جاتنج

EGP120.00

5 in stock

ببراعة لافتة يقدم جاري جاتنج أستاذ كرسي الفلسفة من جامعة نوتردام للقاريء غير المتخصص أحد أهم وأبرز المفكرين والفلاسفة والمؤرخين الغربيين في القرن العشرين وربما أكثرهم إثارة للجدل وهو ميشيل فوكو (1926-1984) في كتابه المعنون فوكو: مقدمة قصيرة جدًا الصادر ضمن سلسلة مقدمات قصيرة جدًا التي تضطلع بنشرها دار جامعة أكسفورد للنشر، والذي سوف تصدر طبعته العربية قريبًا بترجمة علاء الدين محمود عن الكتب خان للنشر بالقاهرة. يتناول الكتاب في فصوله العشر حياة ميشيل فوكو وأعماله وآراءه في الأدب ومواقفه السياسية والفلسفية كما يعرض لأبرز نظرياته ومفاهيمه مثل نظم المراقبة والعقاب والجنون والجنس إلى جانب منهجيه الأركيولوجيّ (أو الحفائري) لمقاربة المعرفة والجينيولوجيّ (المتأثر بنيتشه) لمقاربة التاريخ.

من نظم المراقبة والمعاقبة إلى فلسفة الجمال ومن الأدب الطليعي إلى الجنون، كان فوكو حريصًا على رفض أنماط التفكير القديمة أو التقليدية واستبدالها بأنماط تفكير جديدة وطازجة إن جاز التعبير لا تزال محل خلاف إلى يومنا هذا. كتب فوكو في العديد من مجالات الفكر والمعرفة مثل العمارة والقانون والطب والتاريخ والأدب والسياسة وبالطبع الفلسفة، كما نجح في أن يكون مؤلفًا من المؤلفين الأكثر مبيعًا في فرنسا لنشره كتابًا في تاريخ أنساق الفكر. من جهة أخرى، ونظرًا لاختيار فوكو نفسه أن يكون غامضًا أو ملتبسًا أحيانًا – بشكل متعمد في كثير من الأحيان – لذا تتولد لدى من يرغب في التعرف إلى نظرياته وأفكاره حاجة مُلحّة لوجود كتاب أو مادة مقروءة تجعل من تلك النظريات والمفاهيم سهلة التناول بالنسبة للقاريء المبتديء.

من الصعب للغاية الإلمام بكل أفكار فوكو في كتاب مقدمة قصيرة جدًا لا تتجاوز صفحاته المائتيّ صفحة. لكن أحد الأفكار المثيرة للاهتمام والتي لفت جاتنج النظر إليها في كتاب فوكو: مقدمة قصيرة جدًا تتمثل في المنهج الذي تبناه فوكو لمقاربة المعرفة وتاريخ الأفكار، وهو تحديدًا الأركيولوجيا والجينيولوجيا. يذكر جاتنج مثلاً أن فوكو بدأ بحقيقة أن هناك الكثير من القيود على كيفية قدرة الناس على التفكير في فترة معينة وفي مجال معين (ص 66). فوكو هنا غير معنيّ كثيرًا بالقيود اللغوية أو المنطقية الشكلية بقدر عنايته واهتمامه بكيف كان من المستحيل التفكير في بعض الظواهر أو بعض الأفكار (بسبب قيود معينة) والتي نعتبرها اليوم ظواهر أو أفكارًا واضحة. يرفض فوكو مقاربة التاريخ كسردية أو رواية ذات حبكة (درامية) مقصودة؛ لكنه يرى من خلال التحليل الأركيولوجي السبب الذي جعل الناس (في الماضي) يفكرون بالطريقة التي فكروا بها والكشف عن الأنساق التي كانت بمثابة القيود التي كانوا يفكرون من خلالها.

فكرة أخرى مشابهة للأركيولوجيا عند فوكو هي الجينيولوجيا والتي عرّفها جاتنج بأنها تفسير علِّي تاريخي، يتصف بالمادية والتعدد والجسدية (ص 90). كان فوكو يهدف من هذا المنهج أن يوضح لنا أن مؤسساتنا وممارساتنا بشرية بشكل كامل. كما أكد جاتنج أن فوكو تأثر بنيتشه لكنه أشار إلى أن جينيولوجيا نيتشه تختلف عن جينيولوجيا فوكو في بعض المناحي إلا أنها النموذج بالنسبة لمنهج فوكو والذي تقوم في القلب منه مساءلة لأساس أنساق فكرنا.

من المفاهيم المثيرة للاهتمام في كتاب فوكو: مقدمة قصيرة جدًا مفهومه عن المجنون أو الجنون بالتركيز على كتابه تاريخ الجنون الذي يكشف فيه عن تاريخ الجنون باعتباره – أي الجنون – تحدٍ لا يستهان به ضد ما هو معتاد (ص 131). يقارن فوكو بين المجتمعات القديمة التي كانت ترى في المجانين حمقى يقدمون حكمة بديلة قد تنال قسطًا من التقدير في ذاتها بشكل من الأشكال، وبين المجتمعات الحديثة التي تنظر إلى المجنون كمجرد مختل عقليًا لابد من اللجوء إلى العلم لـتقويمه. يرى تاريخ فوكو أن تعريف الجنون كمرض عقلي ليس إلا وسيلة لإضفاء الشرعية على سلطة الأطباء في مستشفى الأمراض العقلية (ص 135-136). ومن هذا الفهم نرى أن تاريخ الجنون بالنسبة لفوكو ليس سوى لعبة سلطة يُحتجز فيها المجانين باسم العلم تارة وباسم الحفاظ على الأخلاق (أخلاق وقيم المجتمع البرجوازي الحديث تحديدًا) تارة أخرى في مستشفيات أو مصحات الأمراض العقلية التي لا تختلف كثيرًا عن معسكرات الاعتقال.

ينتقل الكتاب لتناول مفهوم النظام العقابي خصوصًا في الغرب وعلاقة هذا النظام بلعبة السلطة والمعرفة. يقارن فوكو كعادته بين نظم العقاب قديمًا وأنها كانت في أغلب الأحيان تهدف إلى إيقاع الألم على جسد المجرم، لكن في عصرنا الحديث وبينما يبدو أن المجتمعات الغربية قد تخلت عن أساليب العصور الوسطى في إيقاع الألم على أجساد المجرمين، إلا أنها استبدلت هذا النمط بنمط جديد من المراقبة الحديثة تهدف إلى الوصول إلى أجساد طيعة؛ أجساد لا تقوم فقط بما نريده لكن تقوم به بالضبط بالطريقة التي نريدها (ص 150). الصادم للقاريء أن نظم المراقبة المتبعة حديثًا مع المجرمين صارت نموذجًا لأماكن السيطرة الأخرى (مثل المدارس والمستشفيات والمصانع) والتي لا تسهل مراقبة الطلاب أو المرضى أو العمال فحسب، بل تسهل أيضًا التحكم في سلوكهم من خلال أن تغرس في النزيل (في حالة السجن أو مستشفى الأمراض العقلية) وكذلك الطالب أو العامل أو الموظف حالة من الوعي ورؤية دائمة تؤكد وظيفة السلطة التلقائية (ص 153).

يختتم جاري جاتنج الكتاب بفصلين عن الرؤى الحديثة حول المعايير الجنسية إلى جانب مقارنة بين الرؤى القديمة عن الجنس والقيم المسيحية. وفي هذين الفصلين يستعرض فوكو دور السلطة والتحكم أو السيطرة مستخدمًا منهجه الأركيولوجي (الحفائري) لفهمه.

برغم تعقيد أفكار فوكو، استطاع جاري جاتنج تقديم أفكار هذا الفيلسوف المُقنّع بأسلوب مبسط غير مخل، كما عمل جاتنج أيضًا من خلال كتابه فوكو: مقدمة قصيرة جدًا على تقديم صورة حية لهذا المفكر الذي كان من الفلاسفة النادرين الذين تحولوا إلى أيقونة عامة، ربما بسبب تعاطيه للمخدرات أو نشاطه السياسي أو مثليته الجنسية، إلا أنه حصد شهرة استحقها بكل تأكيد لمحاولاته فهم مفاهيم عميقة كالهوية والمعرفة والسلطة.

Read more...